سيد محمد طنطاوي
155
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والمراد بالباطل في قوله - تعالى - : * ( وما خَلَقْنَا السَّماءَ والأَرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا . . . ) * العبث واللهو واللعب وما يخالف الحق ، والجملة الكريمة مستأنفة لتقرير أن يوم القيامة حق ، وأن كفر الكافرين به ضلال وجهل . وقوله * ( باطِلًا ) * صفة لمصدر محذوف ، أو مفعول لأجله . أي : وما خلقنا - بقدرتنا التي لا يعجزها شيء - السماوات والأرض وما بينهما من مخلوقات لا يعلمها إلا اللَّه - تعالى - . . . ما خلقنا ذلك خلقا باطلا لا حكمة فيه ، أو ما خلقناه من أجل متابعة الهوى وترك العدل والصواب . وإنما خلقنا هذا الكون خلقا مشتملا على الحكم الباهرة ، وعلى المصالح الجمة والأسرار البليغة ، والمنافع التي لا يحصيها العد ، والهيئات والكيفيات التي تهدى من يتفكر فيها إلى اتباع الحق والرشاد . واسم الإشارة في قوله - سبحانه - : * ( ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا . . . ) * يعود إلى ما نفاه - سبحانه - من خلقه للسموات والأرض وما بينهما على سبيل اللهو والعبث . أي : نحن ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا خلقا مشتملا على الحكم الباهرة . . ولكن الذين كفروا هم الذين يظنون ويعتقدون أننا خلقنا هذه الكائنات من أجل الباطل واللهو واللعب . . وسبب هذا الظن والاعتقاد الفاسد منهم ، كفرهم بالحق ، وجحودهم ليوم القيامة وما فيه من حساب وثواب وعقاب ، وإعراضهم عما جاءهم به الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم من هدايات وإرشادات . وقوله - تعالى - : * ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ) * بيان للعاقبة السيئة التي حلت بهم بسبب هذا الظن الفاسد . . فالفاء : للتفريع على ظنهم الباطل والويل : الهلاك والدمار . و * ( مِنَ ) * ابتدائية أو بيانية أو تعليلية . أي : القول بأن خلق هذا الكون خال من الحكمة ، هو ظن واعتقاد الذين كفروا وحدهم ، وما دام هذا مظنونهم ومعتقدهم فهلاك لهم كائن من النار التي نسلطها عليهم فتحرق أجسادهم ، وتجعلهم يذوقون العذاب المهين . وقال - سبحانه - * ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا . . . ) * بالإظهار في مقام الإضمار ، للإشعار بعلية صلة الموصول للحكم أي : أن هذا الويل والهلاك كائن لهم بسبب كفرهم . وقال - سبحانه - : * ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) * ولم يقل للذين ظنوا للإشارة إلى أن ظنهم القبيح هذا ، ما هو إلا نتيجة كفرهم وجحودهم للحق . ثم بين - سبحانه - أن حكمته قد اقتضت استحالة المساواة بين الأخيار والفجار ، فقال